محمد أبو زهرة
1202
زهرة التفاسير
في الآيات السابقة ذكر سبحانه قصة ولادة مريم ، وفي هذه الآيات يقص ولادة يحيى ، وإن ولادة مريم كانت ذات صلة وثيقة بولادة يحيى عليه السلام ، وإنها تتجه نحو خوارق العادات أكثر من ولادة مريم وحالها . فالقصص الأربع تتدرج في خوارق العادات ، تبتدئ بالقريب من المألوف ثم تنته بخوارق لم يكن للناس بها عهد من قبل . وانتهينا في قصة مريم البتول إلى أن نبي اللّه زكريا كفلها ، وأنها تربت منذ صغرها في المسجد ، بيت اللّه المقدس ، وأن اللّه أفاض عليها بالخير والنعم الظاهرة والباطنة ، فملأ قلبها إيمانا وروحانية ، وغذاها بلبان المعرفة ، وبغذاء مادي طيب . ولقد كان زكريا ، ومريم تدرج في مدارج الصبا ، شيخا هرما يئس من الولاد ، ولكنه عندما رأى مريم وتنشئتها على الإيمان والمعرفة ومحبة من اللّه تعالى ، ورآها ترزق بغير حساب ، ورأى منها مع صغر السن نجابة وتفويضا وإيمانا راسخا ، حنّ إلى إلى الولد حنينا ، ورغب في الذرية ، وكان بين حالين متناقضتين : حال تلك الرغبة وعدم اليأس من رحمة اللّه القادر على كل شئ ، وحال الكبر الذي أصابه ، والشيخوخة الفانية التي هو فيها ؛ ولكنه قد تحرك فيه عامل الرغبة عندما تكلم مع مريم في المحراب يسائلها عما عندها من رزق كلما دخل عليها ، ؛ ولذا قال سبحانه وتعالى في قصته . هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعاءِ ففي هذه الحال التي رأى فيها مريم تغلب فيه جانب الرجاء على جانب اليأس ، ولذا قال تعالى : هُنالِكَ دَعا زَكَرِيَّا رَبَّهُ أي في هذا المكان وهو المحراب الذي كان يلتقى فيه بمريم الفينة بعد الفينة ، ويسائلها فيه ، وتتكلم بلسان البر والتقوى ، تحركت غريزة الأبوة في ذلك المكان المقدس ، فدعا ربه . والتعبير بدعا ربه إشارة إلى شعوره بقدرة اللّه تعالى على كل شئ ، إذ هو ربه الذي ذرأه ونماه صغيرا ، حتى بلغ أشده ثم تولاه حتى بلغ من الكبر عتيا ، فقد اتجه إذن في دعائه إلى الرب القادر العليم الذي أبدع كل شئ على غير مثال سبق ، قال : رَبِّ أي